ابن عجيبة
308
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
من أن تبقى معه معصية . وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ من الخير والطاعة ، فيثيبكم أحسن الثواب . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر المتعلّقين بالجوارح الظاهرة ، والذكر ينهى عن الفحشاء والمنكر المتعلقين بالعوالم الباطنة ، وهي المساوئ التي تحجب العبد عن حضرة الغيوب ، فإذا أكثر العبد من ذكر اللّه ، على نعت الحضور والتفرغ من الشواغل ، تنور قلبه ، وتطهر سره ولبه ، فاتصف بأوصاف الكمال ، وزالت عنه جميع العلل ، ولذلك جعلته الصوفية معتمدا أعمالهم ، والتزموه مع مرور أوقاتهم وأنفاسهم ، ولم يقتنعوا منه بقليل ولا كثير ، بل قاموا فيه بالجد والتشمير ، فيذكرون أولا بلسانهم وقلوبهم ، ثم بقلوبهم فقط ، ثم بأرواحهم وأسرارهم ، فيغيبون حينئذ في شهود المذكور عن وجودهم وعن ذكرهم ، وفي هذا المقام ينقطع ذكر اللسان ، ويصير العبد محوا في وجود العيان ، فتكون عبادتهم كلها فكرة وعبرة ، وشهودا ونظرة ، وهو مقام العيان في منزل الإحسان ، فيكون ذكر اللسان عندهم بطالة « 1 » ، وفي ذلك يقول الشاعر : ما إن ذكرتك إلّا همّ يلعننى * سرّى وقلبي وروحي ، عند ذكراك حتّى كأنّ رقيبا منك يهتف بي : * إيّاك ، ويحك ، والتّذكار ، إيّاك أما ترى الحقّ قد لاحت شواهده ؟ * وواصل الكلّ ، من معناه ، معناك ؟ ! قال القشيري : ويقال : ذكر اللّه أكبر من أن يبقى معه ذكر مخلوق أو معلوم للعبد ، فضلا أن يبقى معه للفحشاء والمنكر سلطان . ه . وقال في القوت على هذه الآية : الذكر عند الذاكرين : المشاهدة ، فمشاهدة المذكور في الصلاة أكبر من الصلاة . هذا أحد الوجهين في الآية . ثم قال : وروى في معنى الآية ؛ عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : إنما فرضت الصلاة ، وأمر بالحج والطواف ، وأشعرت المناسك ، لإقامة ذكر اللّه - عز وجل - » ؛ قال تعالى : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي « 2 » ، أي : لتذكرنى فيها . ثم قال : فإذا لم يكن في قلبك للمذكور ، الذي هو المقصود والمبتغى ، عظمة ولا هيبة ، ولا إجلال مقام ، ولا حلاوة فهم ، فما قيمة ذكرك فإنما صلاتك كعمل من أعمال دنياك . وقد جعل الرسول صلى اللّه عليه وسلم الصلاة قسما من أقسام الدنيا ، إذا كان المصلى على مقام من الهوى ، فقال : « حبب إلىّ من
--> ( 1 ) لا يكون ذكر اللسان بطالة . والنبي صلى اللّه عليه وسلم وقال : « لا يزال لسانك رطبا بذكر اللّه . . » واللّه عز وجل يقول : « أنا مع عبدي المؤمن ما ذكرني وتحركت بي شفتاه » فكيف يكون هذا بطالة ! ! مع تحقق السر بالذكر ؟ . ( 2 ) من الآية 14 من سورة طه .